وهبة الزحيلي

261

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

يَقُولُونَ : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً ، أَ إِنَّا « 1 » لَمَبْعُوثُونَ . أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ؟ أي إنهم كانوا في الدار الدنيا منعمين بما لا يحل لهم ، منهمكين في الشهوات ، مقبلين على لذات أنفسهم ، لا يأبهون بما جاءت به الرسل ، وكانوا في إصرار دائم على الذنب العظيم لا يتوبون عنه ، وهو الشرك ، أو الكفر باللّه ، واتخاذ الأوثان والأنداد أربابا من دون اللّه ، وكانوا ينكرون ويستبعدون البعث بعد الموت ، قائلين : كيف نبعث إذا متنا وصرنا أجسادا بالية وعظاما نخرة ؟ بل كيف يبعث آباؤنا وأجدادنا الأولون لتقادم الزمن الطويل عليهم وتقدم موتهم ؟ فهم أشد إنكارا واستبعادا لبعث أصولهم الأوائل . ويلاحظ أنهم حكوا كلامهم على طريقة الاستفهام بمعنى الإنكار . ويلاحظ أنه تعالى عند إيصال الثواب لا يذكر أعمال العباد الصالحة ، لذا لم يذكر سبب كون أصحاب اليمين في النعيم ، وعند إيقاع العقاب يذكر أعمال المسيئين ، لأن الثواب فضل ، والعقاب عدل ، والفضل سواء ذكر سببه أم لم يذكر لا يتوهم في المتفضل به نقص وظلم ، وأما العدل فإن لم يعلم سبب العقاب ، يظن أن هناك ظلما ، فقال تعالى : هم فيها بسبب ترفعهم . فأجابهم اللّه تعالى على أسباب إنكارهم البعث وهي الحياة بعد الموت ، وتحول الأجساد إلى تراب ، وطول العهد على موت الآباء ، فقال : قُلْ : إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ أي قل لهم أيها الرسول : إن الأولين من الأمم الذين تستبعدون بعثهم ، والآخرين منهم الذين أنتم ومن سيأتي في المستقبل من جملتهم ، سيجمعون بعد البعث إلى ساحات القيامة في يوم محدود ، معلوم الأجل ، لا يتأخر ولا يتقدم ، ولا يزيد ولا ينقص ، كما قال تعالى : فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ، فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ

--> ( 1 ) الهمزة في أَ إِذا و أَ إِنَّا للإنكار والتعجب كما تقدم ، وتكريرها لتأكيد الإنكار .